الشوكاني

534

فتح القدير

وهو لا يستبقى إلا أجوده وأفضله ، فصار لفظ البقية مثلا في الجودة ، والاستثناء في ( إلا قليلا ) منقطع : أي لكن قليلا ( ممن أنجينا منهم ) ينهون عن الفساد في الأرض - وقيل هو متصل لأن في حرف التحضيض معنى النفي ، فكأنه قال : ما كان في القرون أولوا بقية ينهون عن الفساد في الأرض إلا قليلا ممن أنجينا منهم ، ومن في ممن أنجينا بيانية لأنه لم ينج إلا الناهون ، قيل هؤلاء القليل هم قوم يونس لقوله فيما مر - إلا قوم يونس - وقيل هم أتباع الأنبياء وأهل الحق من الأمم على العموم ( واتبع الذين ظلموا ما أترفوا فيه ) معطوف على مقدر يقتضيه الكلام ، تقديره : إلا قليلا ممن أنجينا منهم نهوا عن الفساد ، والمعنى : أنه اتبع الذين ظلموا بسبب مباشرتهم الفساد وتركهم للنهي عنه ما أترفوا فيه . والمترف : الذي أبطرته النعمة ، يقال صبي مترف : منعم البدن ، أي صاروا تابعين للنعم التي صاروا بها مترفين من خصب العيش ورفاهية الحال وسعة الرزق ، وآثروا ذلك على الاشتغال بأعمال الآخرة واستغرقوا أعمارهم في الشهوات النفسانية ، وقيل المراد بالذين ظلموا تاركوا النهي . ورد بأنه يستلزم خروج مباشري الفساد عن الذين ظلموا وهم أشد ظلما ممن لم يباشر ، وكان ذنبه ترك النهي . وقرأ أبو عمرو في رواية عنه " وأتبع الذين ظلموا " على البناء المفعول ، ومعناه : أتبعوا جزاء ما أترفوا فيه ، وجملة ( وكانوا مجرمين ) متضمنة لبيان سبب إهلاكهم ، وهي معطوفة على أترفوا : أي وكان هؤلاء الذين أتبعوا ما أترفوا فيه مجرمين ، والإجرام الأثام . والمعنى : أنهم أهل إجرام بسبب اتباعهم الشهوات واشتغالهم بها عن الأمور التي يحق الاشتغال بها ، ويجوز أن تكون جملة ( وكانوا مجرمين ) معطوفة على واتبع الذين ظلموا : أي اتبعوا شهواتهم وكانوا بذلك الاتباع مجرمين ( وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون ) أي ما صح ولا استقام أن يهلك الله سبحانه أهل القرى بظلم يتلبسون به وهو الشرك ، والحال أن أهلها مصلحون فيما بينهم في تعاطي الحقوق لا يظلمون الناس شيئا . والمعنى : أنه لا يهلكهم بمجرد الشرك وحده حتى ينضم إليه الفساد في الأرض ، كما أهلك قوم شعيب بنقص المكيال والميزان وبخس الناس أشياءهم ، وأهلك قوم لوط بسبب ارتكابهم للفاحشة الشنعاء ، وقيل إن قوله ( بظلم ) حال من الفاعل . والمعنى : وما كان الله ليهلك القرى ظالما لهم حال كونهم مصلحين غير مفسدين في الأرض . ويكون المراد بالآية تنزيهه سبحانه وتعالى عن صدور ذلك منه بلا سبب يوجبه على تصوير ذلك بصورة ما يستحيل منه ، وإلا فكل أفعاله كائنة ما كانت لا ظلم فيها ، فإنه سبحانه ليس بظلام للعبيد . قال الزجاج : يجوز أن يكون المعنى : وما كان ربك ليهلك أحدا وهو يظلمه ، وإن كان على نهاية الصلاح لأن تصرفه في ملكه ، دليله قوله تعالى - إن الله لا يظلم الناس شيئا - وقيل المعنى : وما كان ليهلكهم بذنوبهم وهم مصلحون : أي مخلصون في الإيمان ، فالظلم المعاصي على هذا ( ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ) أي أهل دين واحد ، إما أهل ضلالة ، أو أهل هدى ، وقيل معناه : جعلهم مجتمعين على الحق غير مختلفين فيه ، أو مجتمعين على دين الإسلام دون سائر الأديان ولكنه لم يشأ ذلك فلم يكن ، ولهذا قال ( ولا يزالون مختلفين ) في ذات بينهم على أديان شتى ، أو لا يزالون مختلفين في الحق أو دين الإسلام ، وقيل مختلفين في الرزق : فهذا غني . وهذا فقير ( إلا من رحم ربك ) بالهداية إلى الدين الحق ، فإنهم لم يختلفوا ، أو إلا من رحم ربك من المختلفين في الحق أو دين الإسلام ، بهدايته إلى الصواب الذي هو حكم الله ، وهو الحق الذي لا حق غيره ، أو إلا من رحم ربك بالقناعة . والأولى تفسير لجعل الناس أمة واحدة بالمجتمعة على الحق حتى يكون معنى الاستثناء في ( إلا من رحم ربك ) واضحا غير محتاج إلى تكلف ( ولذلك ) أي لما ذكر من الاختلاف ( خلقهم ) أو ولرحمته خلقهم ، وصح تذكير الإشارة إلى الرحمة لكون تأنيثها غير حقيقي . والضمير في خلقهم راجع إلى الناس ، أو إلى من في من رحم ربك ، وقيل الإشارة بذلك إلى مجموع الاختلاف